السؤال الذي يسبق كل شيء
قبل أن يسألني أحدهم عن الخطّة، أو المدّة، أو ما إذا كان ابنه سيتعافى، يأتي سؤال آخر أولاً. أحياناً يُقال صراحةً، وأحياناً يظهر في التردّد وفي الرسالة التي تُكتب وتُمحى ثلاث مرّات قبل أن تُرسل:
وهذا السؤال ليس مبالغة، ولا وسوسة، ولا ضعفاً. هو حساب واقعي يجريه أبٌ أو أمٌّ لأنّهما يعرفان بيئتهما جيّداً.
لذلك لن أبدأ بطمأنتكم. سأبدأ بشرح ما يحدث فعلاً.
أفهم ما الذي تحسبونه بالضبط
حين يتردّد أب في طلب المساعدة، فهو في الغالب لا يفكّر في نفسه وحده. يفكّر في:
إخوته وأخواته. ماذا لو وصل الكلام؟ ماذا عن مستقبل بناته؟ عن نظرة الناس إلى البيت كلّه؟
سمعة الابن نفسه. شابّ في بداية عمره، أمامه دراسة وعمل وحياة. هل تلاحقه كلمة قيلت في مجلس؟
دائرة الأقارب. ليس الغرباء هم مصدر القلق عادةً، بل من هم قريبون بما يكفي ليعرفوا، وبعيدون بما يكفي ليتكلّموا.
نفسه. أن يُنظر إليه كأبٍ قصّر. وهذه من أثقل ما يحمله الأب في صمت.
هذه المخاوف ليست أوهاماً. ولن أطلب منكم أن تتجاهلوها. ما سأفعله هو أن أوضّح كيف نعمل بها، لا ضدّها.
ماذا يحدث عملياً حين تتواصل معي
لا وعود عامّة هنا. هذه هي الإجراءات:
التواصل الأول يكون عبر الواتساب مباشرةً. لا نموذج تسجيل، ولا بيانات تُدخَل في نظام، ولا استمارة تُملأ. رسالة من هاتفك إلى هاتفي.
اللقاء عبر زوم أو مكالمة صوتية. أنتم تختارون. كثير من الآباء يفضّلون الصوت فقط في البداية، وهذا مفهوم تماماً ولا مشكلة فيه إطلاقاً.
لا مكان تذهبون إليه. لا عيادة، ولا استقبال، ولا غرفة انتظار، ولا أحد يراكم داخلين أو خارجين. اللقاء يحدث وأنتم في بيتكم، أو في سيّارتكم، أو في أيّ مكان تشعرون فيه بالراحة.
ملاحظات مكتوبة في ملفّ خاصّ بكلّ حالة. أحتفظ بملاحظات لأنّ المتابعة تحتاج إليها — لا يمكن أن أتذكّر تفاصيل كلّ أسرة بلا تدوين. هذا الملفّ خاصّ، والأسرة على علم به. لا أعمل بشيء لا تعرفونه.
أنتم من يقرّر من يعرف داخل البيت. بعض الأسر تأتي كاملة، وبعضها يبدأ بشخص واحد فقط: أمّ لم تخبر زوجها بعد، أو أب يريد أن يفهم قبل أن يفتح الموضوع. الحالتان مقبولتان، ولستُ أنا من يحدّد متى ومن يُخبَر.
وما الذي لا أستطيع أن أعِد به
هذا الجزء أهمّ من الذي قبله.
لا أستطيع أن أضمن ألّا يلاحظ أحد. إن كان ابنكم سيدخل برنامجاً، أو يغيب فترة، أو يتغيّر سلوكه أمام من حوله — هذه أمور خارج يدي. ما أستطيعه أن أساعدكم على التعامل معها بأقلّ أثر ممكن، وأن نجهّز معاً ما يُقال ولمن.
وأحياناً تحتاج الحالة إلى تخصّص خارج نطاق دوري. حين يحدث ذلك أقول لكم بوضوح، ولا يحدث تحويل ولا يُنقَل شيء دون أن تعرفوا وتوافقوا.
الشخص الذي يَعِدُ بكلّ شيء لم يفكّر في التفاصيل. والذي يقول لكم ما لا يستطيعه، غالباً صادقٌ فيما يستطيعه.
السرّية ليست الكتمان
هناك فرق أراه كثيراً، وأحبّ أن أوضّحه:
الخصوصية أن تختاروا من يعرف ومتى. هذا حقّكم، وهو جزء من طريقة عملي.
الكتمان أن تحملوا الأمر وحدكم بلا أيّ سند، خوفاً من أن يتسرّب. وهذا ما يُنهك الأسر ويؤخّرها سنوات.
الفرق بينهما أن الأوّل يعطيكم تحكّماً، والثاني يعطيكم عزلة.
هدفنا ليس أن يعرف الناس. هدفنا ألّا تكونوا وحدكم.
وللصمت ثمن أيضاً
هذا هو الجزء الذي لا يُقال عادةً حين نتحدّث عن السرّية.
الانتظار لا يبقي الأمور كما هي. الوقت في هذه المسألة ليس محايداً: تكبر المشكلة، وتتّسع الدائرة، وتزداد احتمالات أن يُكتشف الأمر بالطريقة الأسوأ ومن الجهة الأسوأ.
الأسر التي تتحرّك مبكّراً هي غالباً الأسر التي تحفظ خصوصيّتها فعلاً — لأنّها تعاملت مع الأمر وهو ما زال داخل البيت.
والأسر التي تنتظر خوفاً من كلام الناس، كثيراً ما ينتهي بها الأمر إلى مواجهة ما كانت تخشاه، بعد أن تكون قد خسرت وقتاً كان يمكن أن يُغيّر الكثير.
التحرّك المبكّر ليس مخاطرة بالسمعة. هو الطريقة الأفضل لحمايتها.
أخيراً
إن كنتم قد قرأتم إلى هنا، فأنتم على الأرجح تفكّرون في التواصل منذ فترة، ويوقفكم هذا السؤال تحديداً.
لا شيء يلزمكم بالبدء اليوم. اسألوا ما تريدون أوّلاً. اطرحوا أسئلتكم عن الخصوصية قبل أن تتحدّثوا عن ابنكم أصلاً — هذا حقّكم، وسأجيب بوضوح.